الرئيسية - مساحة المقالات - هل تستطيع التكنولوجيا تحسين الطب؟

هل تستطيع التكنولوجيا تحسين الطب؟


بعد إمضائه عدة عقود بعيداً عن التكنولوجيا، دخل الطب عصر البيانات الخاص به. اليوم تسمح التقنيات المُتنقلة، الحساسات، تسلسل الجينوم (Genome Sequencing -عملية تتم في المخبر لتحديد تسلسل المادة الوراثية “الجينوم” على الDNA) – والتقدّم الواضح في برامج التحليل بتحصيل كميةٍ كبيرة من المعلومات عن بنية الفرد والبيئة التي تُحيط بنا. مُحصلة هذه المعلومات قد تحول الطب من مجالٍ يهدف لمعالجة المريض العادي إلى مجالٍ مُخصص لكل شخص مع نقل بعض المسؤولية من الطبيب إلى المريض.

السؤال هو: هل ستستطيع كمية المعلومات الكبيرة جعل الرعاية الصحية أفضل؟ 

“يتم تجميع الكثير من المعلومات، هذا ليس كافي”. يقول Ed Martin المُدير المَرحلي لوحدة خدمات المعلومات في جامعة California San Francisco School of Medicine. “فالهدف هو تطوير تطبيقات تجعل تلك المعلومات قابلة للاستخدام”.

الفُرص التجارية التي تحاول استخلاص منطق ما من هذه المعلومات – بميزانية تتراوح بين 300 و 450 مليار دولار في السنة – تدفع بشركاتٍ كبيرة مثل APPLE, Qualcomm و IBM للاستثمار في عدة تقنيات من تطبيقات الهواتف الذكية المُختصة بتجميع المعلومات(Data Capturing) إلى أنظمة تحليلية تقدر بمليارات الدولارات، وهي تُغذي الحماس المُتزايد للشركات الناشئة أيضاً. الشركات الاستثمارية الكبيرة مثل Greylock Partners و Kleiner Perkins Caufield & Byers وصناديق المشاريع لشركات مثل Google، Samsung، Merck وغيرها أيضاً، قامت بالاستثمار بأكثر من 3 مليار دولار في تقنية معلومات الرعاية الصحية (health-care information technology) منذ بداية سنة 2013، وذلك بتسارعٍ حاد عن السنوات السابقة، وفقاً للمعلومات من Mercom Capital Group.

اليوم، فإن المجموعات المُتحكمة بأغلب المعلومات الطبية هي شركات التأمين والمُنظمات التي تؤمن خدمات الرعاية الصحية وتحليل البيانات الخاص بهم بدأ بتغيير الرعية الصحية. شركة Express scripts (أكبر شركة في الولايات المتحدة تهتم في الخدمات الصيدلية الدوائية) تُعالج 1.4 مليار وصفة دوائية في السنة، وقد جمعت معلوماتها من مكاتب الأطباء، الصيدليات، والمخابر للكشف عن الأنماط التي قد تُنبه الأطباء إلى إمكانية التّفاعلات الدوائية الضارة ومشاكل في الوصفات الطبية. يُمكن للأطباء اليوم معرفة إذا كان الدواء سينفع أو يفشل مع المريض بعد 12 شهراً و بدقة 98%، وبذلك يُمكن القيام بخطوات مُبكرة لتفادي هذا الفشل وبالتالي الحفاظ على 317 مليار دولار يتم صرفها سنوياً في الولايات المتحدة على علاجاتٍ وعمليات جراحية غير ضرورية.

تقوم اليوم العديد من الشركات ومقدمي الرعاية الصحية بإضافة طبقاتٍ أخرى من المعلومات لإنشاء صنفٍ جديدٍ من الطب الذي يتميز بكونه أكثر دقة ومخصص لكل مريض. فعلى سبيل المثال، التقنيات المُتنقلة الحديثة (Mobile Technology) يُمكن أن تؤمن المعلومات حول صحة وسلوك المريض على مدارٍ يومي، فتخلق فرص لمُقدّمي الرعاية للتأثير على المرضى أكثر بكثيرٍ من قبل. المعلومات الموجودة في السجل الصحي الالكتروني تتضمن آراء الأطباء، نتائج الفحوصات والتاريخ الصحي للمريض. المعلومات الوراثية تُظهر ما إذا كان المريض مُعرضاً لبعض الحالات أو كيفية تفاعله مع علاج معين.

” نحن نريد تصديق أن معظم الأشياء الذي نفعلها في الطب مُستندة على أدلة “. يقول Malay Gandhi، مدير إدارة Rock Health، التي تمّول شركات الرعاية الصحية الناشئة. “بعضها مُستندٌ على أدلة ولكن غالبيتها ليست كذلك”. ويُكمل بأن الفرصة هنا هي إمكانية جعل الطب أكثر تحليلاً ومعتمداً على الأدلة. 

تُغيّر البيانات كذلك من دور المرضى فتعطيهم دوراً أكثر مَركزية في رعاية أنفسهم. إحدى الطرق هي استخدام التقنيات المُتنقلة لمُراقبة أنماط النوم، معدل ضربات القلب، مستويات النشاط، وغيرها. هنالك أجهزة قيد التطوير تتميز بكونها أكثر تطوراً وقادرة على المُراقبة المُستمرة للبارامترات الحيوية الأساسية مثل نسبة الأوكسجين في الدم، مستوى الغلوكوز، وحتى التوتر. تتطلع شركات مثل Apple لتُصبح المَرجع لكل هذه المعلومات، فتؤمن للمُستخدمين طرقاً جديدة لمتابعة و تحسين صحتهم.

هذا النوع من المعلومات قد يكون مفيداً ومثيراً لاهتمام الجميع، لكنه قد يُصبح أساسياً لمايين الأشخاص والمصابين بحالات مُزمنة كمرض السكري، الأمراض القلبية و الاكتئاب. WellDoc (شركة في الولايات المتحدة مُهتمة بمساعدة المصابين بالأمراض المزمنة لمتابعة حالتهم عبر وسائل تكنولوجية) تُصنّع أنظمة دوائية “تُدرّب المريض” (Patient Coaching) بحيث تنصح المُستخدمين بكمية الأنسولين التي يجب أخذها وذلك حسب المَعلومات المُسجلة من هواتفهم الذكية: نسبة السكر في الدم، الوجبات النهارية والتمرين، كما تُقدّم رسائل هدفها التشجيع وتؤمن للطبيب المُشرف نصائح لعملية العلاج حسب البيانات والإرشادات الطبية الأساسية. يتم الآن تطوير خاصية تسمح بالتنبؤ بتفاعلات سكر الدم ومساعدة المُستخدم على تجنبها.

Ginger.io هي شركةٌ تقوم بتجميع البيانات (بُشكلٍ مُصرّح) من الهواتف والحساسات الأخرى لتقييم سلوك الناس المُصابين بأمراض نفسية كالاكتئاب. هل يتصلون بأقربائهم و بأحبائهم، هل يحصلون على مُدّة كافية من النوم؟ فيمكن تنبيه أحد ما عندما يُظهر المريض دلالات صراع.

مع مرور الوقت، ستقوم الشركتين (WellDoc & Ginger.io) بتجميع هذه المعلومات لمُساعدة الأطباء على دراسة وتحسين العلاج بشكل عام. ” إنها تُشبه أكبر التّجارب السريرية في التاريخ” وذلك كما يقول Chris Bergstrom، مسؤول التخطيط الاستراتيجي في شركة WellDoc، ويتابع كلامه :” إنها ليست حتى في بيئة اصطناعية، بل في زمن حقيقي”.

تقوم العائلات المُتأثرة بمتلازمة Phelan-McDermid (و هي حالة جينية نادرة، حيث يُسبب حذف جزء من الكروموزوم 22 مشاكل في التعلم و عجز في الذاكرة) ببناء قاعدة بيانات من الاختبارات الجينية، السجلات الطبية والتاريخ الطبي المفصل لكل عائلة. الهدف هو إنشاء مخزن مركزي للمعلومات حيث يُمكن للباحثين دراسة عدة مصادر من البيانات بوقتٍ واحد. وهذا الأمر متزايدٌ في الأهمية، حيث بدأ الباحثون بملاحظة روابط بين مرض Phelan-McDermid، والتّوحد و حالات أخرى. فائدة أخرى لذلك: البيانات التي كانت سابقاً مُتوافرة فقط في مختبر ستصبح متاحة للعديد من الأخصائيين.

تقول Megan O’Boyle التي تم تشخيص ابنتها في 2001 بعد سنتين من تحديد سلسلة كروموزوم 22 :”قسمٌ كبير من هذه البيانات موجودٌ مُسبقاً، إنها فقط في انتظار أن يتم استخدامها”.

المصدر: موقع مجلة MIT Technology Review

عن ماريو رحال

ماريو رحال
مهندس طبي ومدون تقني. مدير موقع عالم الإلكترون.

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

[هواوي ضد العالم] الشركة الصينية تبدأ إيجاد حلول تساعد على تجاوز أزمتها

أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا عن إدراج هواوي ضمن قائمة وزارة التجارة الأمريكية للشركات ...