الرئيسية - المساحة الإخبارية - [سبق علمي]: التّمكن من “التقاط” الذرات ومشاهدة تفاعلها ضمن تجربةٍ علميةٍ رائدة
صورة الذرات التي تم التقاطها أثناء التجربة. حقوق ملكية الصورة تعود لجامعة أوتاجو University of Otago

[سبق علمي]: التّمكن من “التقاط” الذرات ومشاهدة تفاعلها ضمن تجربةٍ علميةٍ رائدة

في سابقةٍ بمجال الفيزياء الكمومية، أعلن مجموعةٌ من الباحثين في جامعة أوتاجو عن تمكنهم من “القبض” على ذراتٍ منفردة، بما ساهم بمشاهدة تفاعلاتٍ ذرية فريدة لم يتم إبصارها من قبل.

توطئة: حول التجربة الجديدة وأهميتها

من أجل فهم كيفية تفاعل الذرات مع بعضها البعض لتكوين الجزيئات المختلفة، يحتاج الفيزيائيون إلى “التقاط” الذرات ورصدها أثناء حدوث العملية. المشكلة هنا أن هذا الأمر يستوجب امتلاك طريقةٍ تتيح “إيقاف” الذرات كي يتم تسجيل التفاعل وتبادل الطاقة بشكلٍ فعال. يمكن فهم الأمر بمشاهدة عرض تقديميّ يتضمن جملاً كثيرة: سنحتاج لإيقاف العرض التقديميّ مؤقتا ريثما ننهي قراءة كافة النص، ومن نستطيع الانتقال للشريحة التالية.

ما قام به علماء الفيزياء سابقاً هو حساب العلاقات المترابطة اعتماداً على قيمٍ متوسطة ضمن تجمعٍ ذريّ تم تبريده إلى الدرجة التي أصبحت فيه ذراته تشارك نفس الحالة، ويوّفر هذا النموذج الكثير من المعلومات حول العالم الذريّ، إلا أنه غير قادر على توضيح التفاصيل المتعلقة بالتفاعلات والتصادمات التي تحصل مع جزيئاتٍ منفردة والتي تؤدي لتشتت بعضها أو اندماج بعضها الآخر. وبذلك، احتاج العلماء لما يشبه المصيدة التي تتيح “التقاط” الجزيئات لفهم التغيرات الحاصلة أثناء تفاعلها وتلاقيها مع بعضها البعض.

هذا الأمر هو محور الاكتشاف الجديد الذي تم عبر تجربةٍ استُخدم فيها “مصائد” معتمدة على تقنيات الليزر من أجل “اصطياد” الذرات أثناء تفاعلها.

حول التجربة

تم استخدام عددٌ كبيرٌ من التجهيزات التي تتضمن أنظمة ليزرية ومرايا وغرف خلاء بالإضافة لمجاهر متنوعة لإجراء هذه التجربة ضمن قسم الفيزياء في جامعة أوتاجو. لم تتطلب هذه التجربة الفريدة تجهيزاتٍ متنوعة فقط، بل تطلبت أيضاً تخصيص الكثير من الوقت والخبرة حتى تمكن القائمون من البحث في هذه الظاهرة الكمومية، أي تشكل الجزيئات من ذراتٍ منفردة. اعتمد الفيزيائيون سابقاً على المتوسطات الإحصائية من تجارب تتضمن عدداً كبيراً من الذرات لأجل فهم هذه الآلية، والآن أصبح هنالك تجربة دقيقة تتيح الحصول على نتائج تجريبية أكثر دقة.

تحسن هذه التجربة الجديدة من فهمنا للظواهر الذرية عبر توفير نظرةً للعالم المجهريّ الذري لم تكن متاحةً من قبل. وبهذا الخصوص يقول البروفيسور مايكل آندرسون :” تتضمن الطريقة التي استخدمناها حصر وتبريد ثلاث ذراتٍ لدرجة حرارة تبلغ واحد على مليون كلفين باستخدام أشعة ليزرية عالية التركيز ضمن وسطٍ شديد التخلية (فارغة من الهواء)، حيث تبلغ أبعاد هذا الوسط حجم آلة التّحميص المنزلية. قمنا بتجميع المصائد المتضمنة للذرات لتكوين تفاعلاتٍ متحكم بها نستطيع قياسها”. يعمل البروفيسور آندرسون كباحثٍ في كلية الفيزياء ضمن جامعة أوتاغون.

عندما تقترب ثلاث ذراتٍ من بعضها البعض تعمل اثنتين منها على تشكيل جزيء ومن ثم ستحصل جميعها على دفعةٍ طاقية ناتجة عن الطاقة التي تم تحريرها أثناء عملية تشكل الجزيء. عبر استخدام كاميرا مهجرية لتضخيم العملية، تمكن الباحثون من تسجيل اللحظة التي اقتربت فيها ذرات الروبيديوم من بعضها البعض.

يقول مارفين وايلاند :” لا يمكن لذرتين فقط تشكيل جزيء لأن العملية الكيميائية تتطلب ثلاثة ذرات على الأقل. يمثل عملنا المرة الأولى التي تم فيها دراسة هذه الظاهرة بشكلٍ معزول، ونتج عن ذلك حصولنا على العديد من النتائج المفاجئة التي لم يتم توقعها من قبل التجارب السابقة والمجراة على سحابةٍ كبيرة من الذرات”. يعمل وايلاند كباحثٍ في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة أوتاجون.

على سبيل المثال، تمكن الباحثون من رؤية الخرج الدقيق لعملياتٍ منفردة، كما أبصروا عمليةً جديدة تم فيها خروج ذرتين من التجربة بأكملها. حتى الآن، لم يكن بالإمكان مشاهدة مثل هذا النمط من الظواهر في التجارب التي تتضمن ذراتٍ عديدة.

يضيف الباحث وايلاند :” نمتلك الآن معلوماتٍ أوسع حول كيفية تصادم وتفاعل الذرات مع بعضها البعض عند العمل على المستوى الجزيئي. سيكون بالإمكان تطوير هذه التقنية من أجل بناء جزيئاتٍ كيميائية منفردة والتحكم بها”.

أهمية التجربة وآفاق مستقبلية

يوضح البروفيسور آندرسون أمراً هاماً يتعلق بالتجربة نفسها، إذ يقول أنه ونظراً لتعقيد التقنية المستخدمة والتفاصيل المرتبطة بالتجربة فإنه سيكون من الصعب تفسيرها وشرح أهميتها للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الفيزياء الكمومية. من ناحيةٍ أخرى، يعتقد آندرسون أن التطبيقات الناتجة عن هذه التجربة ستساهم في التطويرات المستقبلية المرتبطة بالتقنيات الكمومية التي ستترك أثراً كبيراً على المجتمع، بشكلٍ مماثل للأثر الذي تركته الاكتشافات الأولية في مجال الفيزياء الكمومية من حيث تطور الحواسيب وشبكة الإنترنت.

يقول البروفيسور آندرسون :” ساهم العمل البحث المرتبط بامتلاك القدرة على بناء الجزيئات ضمن أبعادٍ صغيرة في ظهور تطوراتٍ تقنية خلال العقود السابقة، وعلى سبيل المثال، فإن قدرة المعالجة الحاسوبية التي تمتلكها الهواتف الذكية اليوم أقوى بكثير من تلك التي امتلكتها الحواسيب الضخمة في ثمانينات القرن الماضي، وهذا الأمر يعود بالفضل إلى الأبحاث المتعلقة ببناء وتشكيل الجزيئات على أبعادٍ صغيرة. نحاول عبر بحثنا الجديد أخذ هذه المنحى التقنيّ خطوةً للأمام عبر إتاحة إمكانية البناء ضمن أصغر بعدٍ ممكن، أي على البعد الذري، وأنا متحمسٌ جداً لمشاهدة الأثر الذي ستتركه اكتشافاتنا على التطورات التقنية المستقبلية”.

أظهرت نتائج التجربة التي تم إجراؤها أن عملية تشكل جزيء تتطلب وقتاً أطول بكثير بالمقارنة مع التجارب السابقة والحسابات النظرية المتعلقة بهذه العملية، وبذلك تصبح هذه المعارف ذات كفاءةٍ منخفضة في تفسير هذه الظاهرة. يقترح الباحثون وضع آلياتٍ تساهم بتفسير هذا التعارض بين الحسابات النظرية والنتائج التجريبية، إلا أنهم يجدون أيضاً أنه من الهام العمل في المستقبل على أطرٍ نظرية متقدمة في المجال التجريبيّ للميكانيك الكمومي.

تم نشر البحث العلميّ في مجلة Physical Review Letters ويمكنكم الاطلاع عليه عبر الرابط التالي: اضغط هنا.

المصدر: [Phys.org]

عن ماريو رحال

ماريو رحال
مهندس طبي ومدون تقني. مدير موقع عالم الإلكترون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما هو الفرق بين المُترجم والمُفسّر في عالم لغات البرمجة؟ Compiler vs Interpreter

بالنسبة لمعظم لغات البرمجة الشهيرة المستخدمة اليوم، يتم استخدام طريقتين أساسيتين كوسائل لمعالجة الشيفرة المصدرية وتنفيذها، فإما أن يتم "ترجمة Compile" اللغة وإما أن يتم "تفسيرها Interpret"، وهذا يتم عبر برامجٍ وسيطة هي المترجم Compiler والمفسر Interpreter.